ابن أبي الحديد
39
شرح نهج البلاغة
ومن كلام عمر : رحم الله امرأ أهدى إلى عيوبي . * * * قدم عمرو بن العاص على عمر وكان واليا لمصر فقال له : في كم سرت قال : في عشرين ، قال عمر : لقد سرت سير عاشق فقال عمرو : انى والله ما تأبطتني الإماء ولا حملتني في غبرات المآلي ، فقال عمر : والله ما هذا بجواب الكلام الذي سألتك عنه ! وإن الدجاجة لتفحص في الرماد فتضع لغير الفحل ، وإنما تنسب البيضة إلى طرقها فقام عمرو مربد الوجه . قلت : المآلي : خرق سود يحملها النوائح ويسرن بها بأيديهن عند اللطم وأراد خرق الحيص هاهنا وشبهها بتلك ، وأنكر عمر فخره بالأمهات وقال : إن الفخر للأب الذي إليه النسب وسألت النقيب أبا جعفر عن هذا الحديث في عمر فقال : إن عمرا فخر على عمر لان أم الخطاب زنجية ، وتعرف بباطحلي ، تسمى صهاك ، فقلت له : وأم عمرو النابغة أمة من سبايا العرب ، فقال : أمة عربية من عنزة سبيت في بعض الغارات فليس يلحقها من النقص عندهم ما يلحق الإماء الزنجيات . فقلت له : أكان عمرو يقدم على عمر بمثل ما قلت ؟ قال : قد يكون بلغه عنه قول قدح في نفسه فلم يحتمله له ونفث بما في صدره منه ، وإن لم يكن جوابا مطابقا للسؤال . وقد كان عمر مع خشونته يحتمل نحو هذا ، فقد جبهه الزبير مرة وجعل يحكى كلامه يمططه ، وجبهه سعد بن أبي وقاص أيضا فأغضي عنه ومر يوما في السوق على ناقة له فوثب غلام من بنى ضبة فإذا هو خلفه ، فالتفت إليه ، فقال : فممن أنت قال : ضبي قال : جسور والله فقال : الغلام على : العدو ، قال عمر : وعلى الصديق أيضا ما حاجتك فقضى حاجته ، ثم قال : دع الان لنا ظهر راحلتنا .